ابن أبي الحديد

104

شرح نهج البلاغة

مناديه : من وجدناه بعد ثالثة لم يلتحق بالمهلب فقد حل لنا دمه ، ثم قتل عمير بن ضابئ وغيره ، فخرج الناس يهرعون إلى المهلب . وأمير المؤمنين لم يكن ليستحل من دماء أصحابه ما يستحله من يريد الدنيا وسياسة الملك وانتظام الدولة ، قال عليه السلام : ( لكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي ) ، أي بإفساد ديني عند الله تعالى . فإن قلت : أليست نصرة الامام واجبة عليهم ؟ فلم لا يقتلهم إذ أخلوا بهذا الواجب ؟ قلت : ليس كل إخلال بواجب يكون عقوبته القتل ، كمن أخل بالحج . وأيضا فإنه كان يعلم عاقبة القتل فسادهم عليه واضطرابهم ، فلو أسرع في قتلهم لشغبوا عليه شغبا يفضي إلى أن يقتلوه ويقتلوا أولاده ، أو يسلموه ويسلموهم إلى معاوية ، ومتى علم هذا أو غلب على ظنه لم يجز له أن يسوسهم بالقتل الذي يفضي إلى هذه المفسدة ، فلو ساسهم بالقتل والحال هذه ، لكان آثما عند الله تعالى ، ومواقعا للقبيح ، وفى ذلك إفساد دينه كما قال : ( لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل . . . ) إلى آخر الفصل ، فكأنه قال : لا تعتقدون الصواب والحق كما تعتقدون الخطا والباطل ، أي اعتقادكم الحق قليل واعتقادكم الباطل كثير ، فعبر عن الاعتقاد العام بالمعرفة الخاصة ، وهي نوع تحت جنسه مجازا . ثم قال : ولا تسرعون في نقض الباطل سرعتكم في نقض الحق وهدمه . * * * [ الاشعار الواردة في ذم الجبن ] واعلم أن الهجاء بالجبن والذل الفرق كثير جدا ، ونظير قوله : ( إنكم لكثير في الباحات قليل تحت الرايات ) قول معدان الطائي : فأما الذي يحصيهم فمكثر * وأما الذي يطريهم فمقلل ( 1 ) .

--> ( 1 ) ديوان الحماسة - بشرح المرزوقي 3 : 1463